المحقق البحراني
86
الكشكول
وكان إلى جانبها شجرة عظيمة وعين ماء فجاءت إلى العين وتوضأت وأقبلت تعبد اللّه تعالى تلك الليلة إلى الصباح ، فلما أصبحت إذا بشيخ راكب على اتان قد أقبل من قرية على ساحل البحر فرأى الزاهدة ونورها يسطع ، فتقدم وسلم عليها وقال : أيتها الصالحة ما كان ذنبك حتى قطعت يداك ورجلاك ولأي شيء منفردة في هذا المكان ؟ فقالت : هذا قضاء اللّه السابق في حكمه وعلمه ولكن من أنت ومن أين أقبلت وهل في هذا القرب قرية ؟ فقال : رجل حطاب أحطب الحطب وأبيعه في هذه القرية فقالت بكم تبيع الحمل ؟ قال : بثلاثة دراهم ، فأخرجت خاتما من الذهب وقالت : خذ هذا الخاتم فاحملني إلى معمورة واكسب الأجر والثواب . فقال : بسم اللّه أنعمي ، ثم حملها على أتانه وذهب بها إلى قرية هناك فلما وصل إلى القرية قال : هل تعرفين أحدا تمضين إليه ؟ قالت : لا ولكن هل تعهد في هذه القرية مسجدا للعبادة ؟ قال : نعم . قالت : اذهب بي إليه ، فأتى بها إلى المسجد وكان مسجدا مهجورا فأدخلها فيه ومضى ، وكان في القرية شيخ قد عمل بالحصاد ورجع إلى منزله فأتى في طريقه على ذلك المسجد فدخله للصلاة فوجد الزاهدة تعبد اللّه تعالى ، فأعجبه حسنها وجمالها فمضى إلى بيته وأتى بطبق من الخبز وقدح من اللبن والزبد ووضعه بين يديها ، فأكلت وحمدت اللّه تعالى ثم جاءت جارية الشيخ وأخذت الآنية ، فلما كان وقت الظهر أتى صبيان جهال إلى المسجد فنظروا إلى الزاهدة وحسنها وجمالها فألقوا إليها كلاما قبيحا فزجرتهم فخرجوا عنها مغتاظين وقال بعضهم : إذا كان الليل نأتي إليها ونقهرها على نفسها فلما كان الليل أقبلوا إلى المسجد فحسّت بهم فبسطت كفها إلى اللّه تعالى وتضرعت فطمس اللّه عليهم باب المسجد ، فقال كبيرهم : ندخل عليها من السطح ونغصبها على نفسها ثم أراد أن يصعد السطح فسقط على وجهه وانكسر ظهره فبقي يصيح وهرب أصحابه ، فلما أصبح أتاه أهل القرية فوجدوه مطروحا وقد يئس من حياته ، وكان ذلك الغلام ابن كبير القرية فسأله أبوه عن حاله فأخبره بقصته وما جرى له مع الزاهدة ، فدخل أبوه إليها واعتذر منها وسألها أن تدعو اللّه أن يشفيه ، فقالت : قدموه بين يدي ، فامرّت يدها على ظهره فشفى من ساعته فتعجب منها كل من كان حاضرا وقالوا : مثل هذه الزاهدة لا يليق أن تكون في المسجد بل ننقلها إلى دورنا ونخلي لها بيتا وتخدمها جوارينا ونساؤنا . فقالت : لا أختار بيتا على بيت اللّه ، وكان أبو الغلام رئيس القرية وكبيرها فعمر ذلك المسجد واشترى أراضي كانت حول المسجد وغرس فيها أشجارا وزرعها وأرسل إليها جارية لخدمتها ، فصار لها في تلك القرية اسم عظيم وبقيت على ذلك أياما وأهل القرية ينقلون إليها الأموال